نصر حامد أبو زيد

178

الاتجاه العقلي في التفسير

ج - الامام يحيى بن الحسين ومن ناحية أخرى يبدو أن المسألة حتى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع لم تكن قد حسمت بهذا الوضوح الكامل فالامام يحيى بن الحسين ( ت 298 ه ) الشيعي المعتزلي يوسّع من المفهوم كثيرا حين يقول : « اعلم أن القرآن محكم ومتشابه وتنزيل وتأويل ، وناسخ ومنسوخ ، وخاص وعام ، وحلال وحرام ، وأمثال وعبر وأخبار وقصص . وظاهر وباطن . وكل ما ذكرنا يصدق بعضه بعضا ، فأوله كآخره ، وظاهره كباطنه ، ليس فيه تناقض وذلك أنه كتاب عزيز جاء من رب عزيز على يدي رسول كريم » 144 ولكنه حين يتعرّض للرد على القدرية أو المشبهة يبدأ بايراد الآيات التي يحتجون بها ثم يؤولها تأويلا يتفق مع حرية الإرادة الانسانية . ويبدو من تأويلات الامام يحيى التنبه الدائم لفكرة السياق كأساس يردّ به على المحتجين . يقول : « ثم احتجوا بقوله ، سبحانه : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ، وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ وجهلوا ما قبل ذلك من قوله : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وعبده من دون اللّه ، وعلم ذلك منه ومن فعله ، فأضلّه اللّه بعد ما فعل وبعد ما كان منه ، ولعلمه أنه لا يؤمن ولا يدع ما هو عليه من الكفر . فهذا معنى علم اللّه به ، لم يدخله العلم في شيء ولم يحل بينه وبين شيء ، وإنما أخبر باضلاله والاضلال من اللّه إنما هو في اهماله وترك تسديده وتوفيقه للخير » 145 . وإذا لم تسعفه فكرة السياق في الآية نفسها ، فإنه يلجأ - والحالة هذه - إلى الاستشهاد بآية محكمة ترد إليها هذه الآية التي يستشهد بها الخصوم وتؤول على أساسها . والقاعدة العامة للمفسر عند الامام يحيى أنه « إذا مرّ عليه شيء من القرآن يقع عنده أنه مخالف لهذه الآيات ( يعني قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ فليعلم أن تفسيره مثل تفسير المحكم ، إلّا أنه جهل تفسيره » 146 . وكل هذه المحاولات التأويلية تقود الامام يحيى إلى أبحاث دلالية حول معاني بعض الكلمات التي كانت مثار خلاف بين المعتزلة وخصومهم في القرآن ، مثل معنى الهدى ، والضلال ، والعبادة ، والإرادة ، والاذن 147 والكفر والشرك والزكاة 148 . وتعدّ هذه الأبحاث الدلالية حول معنى الكلمات في القرآن امتدادا « للأشباه والنظائر » عند مقاتل ، ومثيلتها عند ابن قتيبة في « تأويل مشكل القرآن » . والفارق بين أبحاث الامام يحيى وأبحاث من سبقه أنه يدخل فيها فكره الاعتزالي ويخضعها له مخلصا لمبدأ اخضاع المحكم والمتشابه معا للعقل ، ثم تأويل المتشابه برده إلى المحكم الذي يؤكد ثمار العقل والنظر السليم . ويكاد الامام يحيى أن